سالم صالح سلطان يبيع سكاكر البرجس علي الفقراء

المقاله تحت باب  أخبار و متابعات
في 
07/01/2008 06:00 AM
GMT



الحياة بمختلف مشاكلها وما تطرحه من مهمات وقضايا هي المصدر الرئيسي لكل فعالية أدبية. وعلى هذا فالكتابة الروائية مطمح لكل المبدعين من كتاب القصة وهي الركيزة الأولى في الوثوب نحو العالم الإبداعي الواسع عالم الرواية.

صدرت الطبعة الاولى من رواية (سكاكر البرجس) للقاص سالم صالح سلطان عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين فرع نينوى ومؤسسة الواحة للنشر والتوزيع في مدينة الموصل شمال العاصمة بغداد، وتقع الرواية في 130 صفحة من القطع الوسط. والقاص من مواليد الموصل عام 1964، له مجموعتان قصصيتان (أكليل الملك) الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في نينوى عام 1996، و(الأسوار البعيدة) عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 2001.

بدأ القاص الكتابة عام 1986 ونشر أول قصة له (البيضاء) في جريدة الحدباء الموصلية ثم اتبعها بقصة أخري سماها (الفافزم).

كتب الرواية في ظل الحصار الأمريكي عام 2001 عندما كان يعمل على (بسطة) على رصيف السوق، وكان يعيش حرماناً مادياً، وعندما أرسلها الى دار الشؤون الثقافية في بغداد اعترضوا على نشرها، وكان سبب رفضها كيف تحتل أمريكا العراق. ثم أعاد كتابتها من جديد.

(عندما أوزع عليهم السكاكر فاني أوزع الحبَّ بينهم) كلمات الشخصية الرئيسية في الرواية (عبد برجس)، اذ ينقلنا الكاتب الى أحداث قديمة جرت في مدينة الموصل برفقة شخصية كانت معروفة علي نطاق واسع في البلدة القديمة.

 

شخصيات الرواية

قال القاص سالم صالح في لقاء معه بعد صدور روايته الأولى (سكاكر البرجس) ان شخصيات الرواية عينات محلية فقيرة، وهي شخصيات خيالية ولو أنها ملتقطة من الواقع، ومع هذا فالشخصيات تكمل بعضها بعضا. وشخصية (عبد برجس) في الرواية ليس هو في الواقع. وأضاف عبد برجس شخصية أسطورية دخلتُ من خلاله الى مدينة الموصل، كان همه الدائم سعادة الانسان. ان شخوص الرواية بسطاء وهم يحملون عُقدَهم المركبة وقناعاتهم المسيطر عليها عبر تمسكهم بتقاليدهم وآرائهم كما هو معروف عن الموصليين. لقد أحببت (مردانة) الموصلية لأنها علمتني الوفاء والتضحية وهي التي نمت وترعرعت في حبر قلمي ومشذاة فكري.

السكاكر تعني الحب والسلام والحرية، وهي الخيط الذي جمعهم، وهذا التلاقي فجّر الكبت الذي اعتمر طاقة وحلم وأمنية كل فرد منهم. انها الرمز الروحي الذي بدأه (عبد برجس) منذ أربعين سنة يخوض في كل شوارع الموصل بكل وفاء وجهد وأرق.

انها رقية إنسان تداهمه كوابيس الحرب والدمار والحرائق فينهض منذ الفجر يوزع السكاكر ليطرد بكل اندفاع عن مدينته شرها وآثامها اللعينة.

فيما بين القاص ان الشخصية الواقعية لعبد برجس في الواقع لم يفهمها أحد ونعتها الكثيرون بأوصاف مختلفة واختلف الكثيرون بشأنها، وبالتأكيد فان الاختلاف له أسبابه وظروفه، فنحن العراقيون تختلف رؤيتنا لبعضنا من فرد لآخر فما بالك بانسان حافي القدمين أربعين سنة ضحي بكل ما يملك من أجل الآخرين.

واسترسل القاص انه من الضروري ان ينتقي الأديب الشخصيات من البيئة التي ينتمي اليها لانها هي التي تمنح الكاتب الحقيقي الالهام كما تمنحه التجربة الابداعية التي يبحث عنها. فالمرأة والشيخ والصديق والمدينة والوطن... هم الذين يمثلون العلاقة العضوية في حياة الأديب وهم الذين يمثلون ذاته.

 

ماض وحاضر ومستقبل

استطيع أن أقول والكلام للقاص وبلا مبالغة ان سكاكر البرجس هي الرواية الموصلية الأولى التي نقلت كاميرا فصولها في شوارع وأزقة وأسواق الموصل واقتربت من هموم ومعاناة وظروف المدينة عبر موروثها القديم وحاضرها الصاخب، ومستقبلها الذي تمنيته لها كبيرا وواسعا وينطق بالكثير. فالرواية مزاوجة بين الماضي والمستقبل.

وعتب القاص على أدباء الموصل بانهم طوال عقد من الزمن لم يقتربوا من الانسان الموصلي والزقاق الموصلي والبيت الموصلي إلا بطريقة سطحية وعابرة، ومعظمهم آثر الاهتمام الذاتي والعاطفي في كتاباته وتخلى عن محليته ومدينته وعمق تراثها باستثناء القاص نزار عبد الستار، ولم يكشفوا للعالم حضارة هذه المدينة التي أنجبت الكثير من العباقرة والأساتذة والأطباء.

وأضاف مازال الأديب العراقي بحاجة الى المحلية والتقاط نماذج أثرت في مجتمعه، وهذا ما يفعله معظم الأدباء في العالم ولكن للأسف الشديد يغاير الأديب عندنا في الموصل هذه الرؤية ويتقوقع في ذاته وعواطفه. كما أدعو زملائي الأدباء ان يسعوا الى كتابة رواية للموصل.

مازلنا نخاف الكتابة الحقيقية أو نبتُ فيها. مازلنا جهلاء في تعاملنا مع الرواية والقصة. وما زلنا نُغضب الأديب حول ما يكتب بدون المساس الى الجوهر وإنما مقاضاة شكل الكتابة وحسب. مازال الأديب عندنا يخاف الكتابة ومسالكها الصحيحة. واضاف أنا اعترف أنني أخاف ما يعتريني من حقائق قاسية وأليمة، لان قول الحقيقة هو اغتيال للحقيقة واغتيال للديمقراطية والمعرفة الحقة كما هو سائد في عصرنا. أصبحنا نغتال الحقيقة مع اننا نتكلم عنها. كما اننا مازلنا نعيش عصر الرقيب. وعلينا ان نغير رؤيتنا للحياة.

 

الرؤية الحديثة للرواية

ان الرواية اليوم ليست هي السلسلة المتتابعة للإحداث وحسب. ان الرؤية الحديثة للرواية تتعامل مع المجتزئات في الروي بسبب تطور العصر ودخول التقنيات الحديثة التي تفرض علينا ان نلتقط القارئ بطريقة حكيمة بعيدة عن الملل والاطالات غير المجدية. فلا نمتلك قارئا في هذا العصر يقرأ لساعات طويلة كما كان في الماضي.

ان تقنية التقصيص الروائي لا تؤثر سلبا في الرواية وإنما إضافة جديدة الى الرواية العراقية.

لم يظهر الحب في الرواية مضيفاً كان حب الشخصيتين (يزدان) و(مردانة) مجرد أمنية وحلم بعيد. ان الحب الحقيقي هو حلم المعذبين الذي يتلاشي وجوده ويحيا في الخيال أبداً.

من خلال الرواية والكلام للقاص أردت أن ابرّز المرأة الموصلية التي أعتبرها قوية ومضحية في حياتها، فالمعروف عنها سعيها الدائم ودأبها في الحفاظ على بيتها وعائلتها وكذلك على التقاليد الاسلامية والعربية وتكاد تكون المثالية الاولى في هذا المجال. ان التضحية سمة بارزة عند المرأة العراقية والموصلية خاصة، لذلك جاءت المرأة في الرواية قوية ومفكرة ومدبرة تتعامل مع واقعها بحكمة بعيدة عن العواطف.

وأشار القاص الى ان الرصيف ساعد على ظهور هذه الرواية وكذلك الحرمان والفقر والكبت والظلم الاجتماعي الذي عشته ترك أثراً فظيعاً في أعماقي لأجسم هذه الشخوص في هذه الرواية. كما لا أنسى جهود اتحاد أدباء نينوى المعنوي ممثلاً برئيسه عبدالله البدراني الذي ذلل الكثير من الصعوبات في نشر وظهور الرواية.

العوائق

كانت أوراق الرواية تتساقط من جيوبي بينما مراقب البلدية يطاردني وبسطتي على رصيف السوق، كنت أعيش حرماناً مادياً ما بين توفير الرزق لعائلتي وبين خوض سفر الرواية الصعب، وكذلك اصطدمت بظروف الحصار الصعبة ومرضي المزمن والحروب اللامنتهية التي نعيشها، كل ذلك أنجب هذه السكاكر الحلوة في زماننا المر.

نحن بحاجة ان نقرأ الرواية فكلنا أو جزء منا موجود فيها وهي تعيدنا الى الماضي وعاداته وموروثاته أو الي حاضر قاس مدمر في حروبه وانسلاخاته. فما زالت الأمية تعشعش في عصر المتلقي أو الرقيب عندنا.

من أمنياتي أن أشاهد سكاكر البرجس كفلم سينمائي كبير كي يطّلع العالم على تراث المدينة الكبير، ويعرف ان هذه المدينة أنجبت الكثير من العلماء الموجودين اليوم في بعض جامعات العالم الكبيرة. فكل فصل في الرواية يمكن ان يتحول إلى (سيناريو)، فبإمكان القارئ ان يقرأ أي فصل يشاء من دون ان يتعدي على حرمة الفصل الآخر فكل فصل عالم مستقل بذاته.